ابن الجوزي

167

زاد المسير في علم التفسير

فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكره الخير وحده ، لما في مفهوم اللفظ من الدلالة . يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ( 183 ) قوله [ تعالى ] : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ) . الصيام في اللغة : الإمساك في الجملة ، يقال : صامت الخيل : إذا أمسكت عن السير ، وصامت الريح : إذا أمسكت عن الهبوب . والصوم في الشرع : عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع انضمام النية إليه . وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم أهل الكتاب ، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس ، وهو قول مجاهد . والثاني : أنهم النصارى ، قاله الشعبي ، والربيع . والثالث : انهم جميع أهل الملل ، ذكره أبو صالح عن ابن عباس . وفي موضع التشبيه في كاف ( كما كتب ) قولان : أحدهما : أن التشبيه في حكم الصوم وصفته ، لا في عدده . قال سعيد بن جبير : كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة ، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام ، وهو عليهم ثابت . وقد أرخص لكم . فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث ) . فإنها بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين . والثاني : أن التشبيه في عدد الأيام : ثم في ذلك قولان : أحدهما : أنه فرض على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وقد كان ذلك فرضا على من قبلهم . قال عطية عن ابن عباس في قوله [ تعالى ] : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) قال : كان ثلاثة أيام من كل شهر ، ثم نسخ برمضان . قال معمر عن قتادة : كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من كل شهر ، فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله [ تعالى ] : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) . والثاني : أنه فرض على من قبلنا صوم رمضان بعينه . قال ابن عباس : فقدم النصارى يوما ثم يوما ، وأخروا يوما ، ثم قالوا : نقدم عشرا ونؤخر عشرا . وقال السدي عن أشياخه : اشتد على النصارى صوم رمضان ، فجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف ، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف ، وقالوا : نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا . فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة . قوله [ تعالى ] : ( لعلكم تتقون ) لأن الصيام وصلة إلى التقى ، إذ هو يكف النفس عن كثير مما